ابن عطاء الله السكندري
29
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( 32 ) [ الأحزاب : 32 ] ولك في علاجه طريقان : استعمال ما هو لك نافع وهو الطاعة واجتناب ما هو لك مضر وهو المعصية ، فإن فعلت ذنبا أعقبته بالتوبة والندم والانكسار والإنابة كان ذلك سبب وصلتك به وإن فعلت طاعة فأعقبتها بالعجب والكبر كان ذلك سبب القطيعة عنه . عجبا لك كيف تطلب صلاح قلبك وجوارحك تفعل ما شاءت من المحرمات كالنظر والغيبة والنميمة وغير ذلك ، فمثالك كمن يتداوى بالسم أو كمن أراد تنظيف ثوبه بالسواد فعليك بالخلوة والعزلة فمن كانت العزلة دأبه كان العز له فمن صدقت عزلته ظفر بمواهب الحق له بالمنن وعلامتها كشف الغطاء وإحياء القلب وتحقيق المحبة فعليك بحسن العمل مع حسنه كالثياب القليلة الرفيعة الثمن كالياقوتة صغير جرمها كثير ثمنها ، فمن أشغل قلبه باللّه وعالجه مما يطرأ عليه من الهوى كان أفضل ممن يكثر من الصلاة والصوم . مثال من صلى الصلاة بغير حضور قلب كان كمن أهدى للملك مائة صندوق فارغة فيستحق العقوبة من الملك يذكره عليها دائما ، ومن صلاها بحضور القلب كان كمن أهدى له ياقوتة تساوى ألف دينار فإن الملك يذكره عليها دائما ، إذا دخلت في الصلاة فإنك تناجى اللّه سبحانه وتعالى وتكلم رسوله صلى الله عليه وسلم لأنك تقول السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ولا يقال أيها الرجل عند العرب إلا لمن يكون حاضرا ، ركعتان بالليل خير من ألف بالنهار وأنت لا تصلى فيه ركعتين إلا لتجد ذلك في ميزانك وهل تشترى عبدا إلا للخدمة ، هل رأيت عبدا يشترى ليأكل وينام ما أنت إلا عبد اشتريت قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) [ التوبة : 111 ] ، من لم يلزم نفسه لزمته ، ومن لم يطالبها طالبته فلو جعلت عليها الأثقال بالطاعة لما طالبتك بالمعصية ولما كانت تتفرغ لها وهل رأيت الصالحين والعباد يتفرجون في الأعياد . من شغل نفسه بالفرح والمباحات شغل عن قيام الليل فيقال له شغلت نفسك عنا فشغلناك عن عبادتنا . ركعتان في جوف الليل أثقل عليك من جهل أحد فأعضاء يبست عن الطاعة لا تصلح إلا للقطع فإن الشجرة إذا يبست لا تصلح إلا للنار . من أحب الدنيا بقلبه كان كمن بنى بناء حسنا فوقه مرحاض فوسخ عليه فلا يزال كذلك حتى يرى ظاهره كباطنه ومنهم من ينقيه فلا يزال قلبه أبيض وتنقيته بالتوبة